الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

صادِق اليأس !

#برقية_الثلاثاء

يحدث كثيراً أن يتحول الأصدقاء الى أعداء أو العكس, ولكن لي تجربة مختلفة مع تحول أحد الأعداء الى صديق, وقد عزمت على جعله صديقاً لأنه لطالما حطمني هذا العدو وكسر مجاديفي وجعلني أنسحب من مشاريع كثيرة, ووقف كحجر عثرة أمام الكثير من الأمور التي كنت أسعى أن قوم بها, ومع كثرة ظهوره في حياتي كان لا بد من وضع حد لهذا العدو الذي أصبح السبب الأول وراء فشلي في كثير من الأمور, لعل الجميع يريد معرفة هذا العدو اللدود, إنه اليأس يا سادة !

ولكن لا بد لنا أولاً أن نعرف كيف يتمكن اليأس من الانسان !؟

لا يتمكن اليأس فجأة من الانسان ولكنه يبدأ في الظهور بشكل متدرج, فالانسان يدخل معترك الحياة بكل نشاط  وحيوية وقوة مع رغبة قوية وعزم شديد على تحقيق أهدافه, ولكن عندما يفشل في مرحلة ما يبدأ اليأس في الظهور ولكنه لا يظهر بشكل كامل, حيث يتملك الانسان عند التعثر شيء من التشاؤم والقلق ومع مرور الوقت يسيطر عليه سلوك التوجس والتشاؤم, ولكنه سرعان ما يستعيد ثقته وقوته ويعود للمحاولة من جديد محاولاً استدراك ما فات, فإذا فشل مرة أخرى يعود اليأس بصورة أكبر مما سبق فيتكمن من الانسان أكثر وأكثر حتى يتمكن منه بشكل كامل, فإذا تمكن اليأس من الانسان يبدأ في الكسل والخمول والشعور بعدم الرغبة في العمل مع سيطرة التشاؤم عليه وتجده يكثر من التحجج بعدم الحاجة الى المحاولة وأنه الفشل مكتوب على جبينه.

إن الشيء الذي ينبغي أن ندركه اليأس يتغذى على اليأس, فكلما أظهرت اليأس قُوي اليأس وأصبح أكثر متانة وصلابة وأشد بأساً, ولكن إذا آمنت بالأمل وبقدرتك على النهوض بعد كل تعثر لن يجد اليأس الغذاء الذي ينتظره فيضعف وبالتالي تتمكن منه وتسطير عليه بكل سهولة, وتستطيع في هذه المرحلة أن تجعله صديقاً لك تستعين به في أوقات ضعفك وتجعله وقوداً لك في مسيرك نحو تحقيق أهدافك وأحلامك.


ختاماً: لا بد أن تتيقن أنك معرض للفشل والتعثر, ولكن هذا لا يعني أنك تسلم نفسك لليأس عند الفشل أو التعثر, بل يجب أن تجعل الأمل رفيقك والجد والاجتهاد رفيقك وزد على ذلك الايمان بالله سبحانه وتعالى بأنه لا يقدر الإ الخير وأن الفرج قادم لا محالة بعد كل كرب وتذكر قول الشاعر :
إذا اشتمــلت على اليأس القلـوب ...  وضاق لما به الصـدر الرحيبُ
وأوطــــأت المكــاره واطمــأنت ...  وأرست في أمكانها الخطـــوبُ
ولم تر لانكشـــاف الضـر وجهًا ...  ولا أغنــى بحيلتـــــه الأريـــبُ
أتاك على قنــوط منــك غـــوثٌ ...   يمـن به اللطيــف المستجيــــبُ
وكــــل الحادثـات إذا تنـــــاهت ...   فموصــول بها الفـرج القريـب

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/11/10هـ

الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

ما هو الألم !؟



اسمي (رامي أحمد) , عمري 23 سنة , لاجئي سوري أعيش في جدة , هكذا قدم نفسه لي في المرة الأولى التي قابلته فيها , رامي شاب مكافح قصف النظام السوري الغاشم - عجل الله بهلاكم - بيته في منتصف عام 2012 م فاستشهدت والدته والأخ الأصغر منه ذو 16 ربيعاً وأصيب والده في رجله وبات عاجزاً عن السير , خرج رامي من قريته متجهاً إلى المجهول بعد أن أصبح فجأة وبدون مقدمات مسؤولاً عن عائلة كاملة مكونة من أختين أكبرهن تبلغ 13 سنة وأخ لم يتجاوز عمره 3 سنوات وأب عاجز عن العمل , وصل إلى الأردن بعد مصاعب عديدة واجهت رامي وعائلته في الطريق وأقام في مخيم اللاجئين لعدة أشهر وكان العيش هناك صعباً حيث كانوا يقضون الليالي ذوات العدد وهم لا يجدون الإ قدراً يسيراً من الطعام , ثم أكرمهم الله سبحانه وتعالى بالوصول إلى المملكة العربية السعودية عن طريق احدى المنظمات الخيرية بعد مشقة وتعب , رغم كل الظروف التي مر بها رامي وعائلته لم يتخلى رامي عن حلم دراسة الهندسة وهو الحلم الذي يراوده منذ صغره وها هو اليوم طالباً في جامعة الملك عبدالعزيز في قسم الهندسة ويعمل في المساء لكي يستطيع إعالة أسرته.

لم يخبرني رامي قصته من باب الاخبار عن الأحداث ولكنه كان يحاول أن يعبر عن الألم الذي شعر به وهو يفقد والداته ثم أخيه وعجز والداه وفقد بيته والاضطرار للخروج من الوطن , كان رامي يحاول أن يعبر عن هذه الآلآم , ولكن هل يستطيع كل شخص تفّهم هذا الألم!؟
ستكون الاجابة : لا طبعاً , فهذه الآلآم لا يفهمها الإ النماذج الأخرى المماثلة من السوريين الذين تعرضوا للظلم والابادة كما حصل مع رامي , هذه الآلآم يشعر بها الروهنجي الذي تعرض للظلم داخل أراكان ثم خرج منها باحثاً عن الأمان فظل تائهاً وسط المحيط فوق مركب متهالك لعدة أيام من دون أن يجد ماءاً يشربه , هذه الآلآم يشعر بها اليتيم الذي فقده أحد والديه وحُرم من العطف والحنان.


ختاماً : صديقي القارئ أجزم يقيناً أن لديك قصص مماثلة بل تكاد تكون أكثر سوءاً من قصة رامي , وعندما تريد أن ترويها إنما تريد أن تُشعر الآخرين مقدار الألم الذي عاش فيه ذلك الشخص , ولكن يؤسفني أن أقول : أن الألم شعور لا يُوصف وإنما هي تجربة شخصية وغير قابلة للتعدي , شعور لا نستطيع ادراكه مهما سمعنا من قصص , وإنما ندرك هذا الشعور بالتجربة لا بالسماع.

لذا عندما تُسأل في المرة القادمة عن الألم!؟
أجبه : إنه الألم وكفى!


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@


1436/11/3 هـ

الثلاثاء، 11 أغسطس 2015

كيف تقود السيارة في جدة!؟

#‏برقية_الثلاثاء‬ 

سألني صديقي ذات مرة قائلاً : ما الذي يجعلك تكره قيادة السيارة!؟
تنفست بعمق ثم قلت له : تُرى وما الذي يجعلني أحب قيادة السيارة لدينا!؟
فالشوارع لدينا مزدحمة في كل الأوقات وآذاننا لا تكاد تفارق ذلك الصوت الشجي (صوت البوري) , والحفريات منتشرة في كل مكان حتى أن كل طريق قد أخذ نصيبه من الحفريات , وأصبحت سيارتنا ترقص (السامري) أثناء سيرها في الطريق , فإذا استطعت تجاوز إحدى الحفريات اصطدمت بأحد أغطية الصرف الصحي المكشوفة (هل يوجد لدينا صرف صحي بالفعل!؟) , وبعد خروجك من هذه الغطاء ترى أمامك لوحة صفراء كتب عليها (أمامك تحويلة) و (بداية أعمال الطريق) فلا تكاد تخرج من هذه التحويلة الإ بصعوبة بالغة فيستقبلك تل عالي يسمونه (مطب صناعي) وأنت تعبر هذا التل المسمى زوراً بمطب تشعر أنك في أحد مسابقة الراليات الجبلية التي تحتاج إلى سيارات بمقومات خاصة , وبعد تجاوزك كل هذه الإختبارات الصعبة بشق الأنفس تقع فريسة لحفرية كبيرة ومكشوفة في وسط الشارع دون أي علامات تحذيرية وتتعطل سيارتك ثم تتصل برجل الأمن لكي يأتي لمساعدتك فيصل بعد ساعة في أحسن الأحوال , وبدلاً من مساعدتك يطلق العبارات الشهيرة (أنت ما تشوف!؟ , من اللي علمك السواقة!؟) فتصبح أنت المخطئ والمقاول الذي ترك هذه الحفرية من دون أي حاجز ولا لوحة تحذيرية لم يخطئ ولا عليه شيء وكأن عمله سليماً , لينتهي بك الحال بإدخال سيارتك الى إحدى الورش الصناعية , وبينما أنت تقف في جانب الطريق لتستقل سيارة أجرة لتعود بها إلى بيتك تمر بجانبك سيارة مسرعة فيبلل ملابسك بمياه الصرف الصحي الذي تسرب من مكان ما.


ختاماً : يا صديقي هل عرفت لماذا قلت لك : ترى ما الذي يجعلني أحب قيادة السيارة لدينا!؟
*ملاحظة : المقالة قديمة ونُشرت قبل 4 سنوات تقريباً ولكني أعدت صياغتها لأن حالة شوارعنا أصبحت أسوأ من تلك الأيام.

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@


1436/10/26هـ

الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

هادم البيئة !


خلق الله سبحانه وتعالى الكائنات وجعل لكل كائن ميزة يتميز بها عن غيره , ففي عالم الحيوان يشتهر الأسد بالشجاعة والثعلب بالمكر والخداع واليمامة بقوة النظر وهكذا ,, ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن جمع للإنسان كل المميزات التي فرقها الله سبحانه وتعالى بين الكائنات , فهو الشجاع المقدام إن أراد , وهو المخادع الماكر أيضاً إن قبلت نفسه بهذا , ولأن الانسان يعرف ويعقل وعُرف عنه الجشع والطمع إضافة الى الكرم والعطاء استغل موارد البيئة التي أوجدها الله سبحانه وتعالى للكائنات جميعاً استغلالاً سيئاً بحيث لا يراعي احتياجات المخلوقات الأخرى الموجودة في الأرض , فيبيد الغابات والمساحات الخضراء من أجل أن يصنع كرسياً يجلس عليه أو يتدفئ , ليتسبب بعمله في انقراض العديد من الكائنات التي عاشت منذ الآف السنين في هذه الغابة , ويستنزف مياه البحار والمحيطات من أجل أن يغسل سيارته ولا يكتفي بهذا فقط بل يزيد على ذلك فيقضي حاجته في تلك المياه مسبباً التلوث في البحار والمحيطات فيكون ناتج هذه التلوث القضاء على المخلوقات التي تعيش في البحار والمحيطات , و يستمر الانسان في جشعه وطمعه فيسافر إلى الدول الإفريقية ويقضي الساعات الطويلة في مطاردة الحيوانات من أجل أن يظفر بجلده ليصنع منها ساعة يلبسها أو سواراً يتزين بها , ثم إذا تسبب في انقراض فصيلة من الحيوانات يسرع لإنشاء جمعية للحفاظ على الحيوانات التي قضى عليها بنفسه ليُرضي ضميره.

إن الانسان منذ القدم يعمل على استنزاف الموارد الطبيعية واستغلالها أسوأ استغلال , ومن شدة طمعه لا يراعي حاجة الأجيال القادمة من بني جلدته فضلاً عن الكائنات الأخرى التي تعيش معه , ويرى أن له الحق في التصرف في هذا الكوكب دون أدنى مسؤولية ومن دون احترام حقوق الأجيال القادمة أو الكائنات الأخرى.

ختاماً : سيندم الانسان يوماً ما على هذه التصرفات الهمجية تجاه الكائنات الأخرى , وسيندم أكثر على اسنتزاف الموارد التي أوجدها الله سبحانه وتعالى للجميع ولكنه تفرد بها دون غيره وحرم منها الأجيال القادمة ليستمتع بها وحده , وقد لا يكون على الأرض يوم الندم ولكنه سيكون مسؤولاً عن حرمان الأجيال القادمة والكائنات الأخرى من الموارد التي وضعها الله عز وجل لهم ولكنه تفرد بها جشعاً وطمعاً.

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/10/19هـ

الثلاثاء، 28 يوليو 2015

العنصر الفاسد !



أذكر أنني عندما نويت دراسة تخصص الاعلام برز عدد كبير من الزملاء وطالبوني بالإبتعاد عن هذا المجال , وعللوا بأن شره أكثر من خيره وأن دفع المضرة أولى من جلب المصلحة وسلسلة من النصائح الطويلة التي لا تنتهي , وعادة هذه النصائح لا تنطلق من دراسة علمية أو تجربة سابقة وإنما هي شعارات يرددها الجميع دون تجربتها أو على الأقل القراءة عنها , وبعد أن ينتهي من سلسلة النصائح الطويلة يدخل إلى أن خريج كليات الاعلام لا يجد الوظائف وأن سوق العمل متكدس بطلاب الاعلام حتى تشعر وكأنه وزير العمل , وإذا سألته عن مصدر المعلومة يقول لك بأنه يعرف فلان وعلان وزعطان وقائمة طويلة من الأسماء لا أدري من أين يأتي بها , والطريف أنه يملك قوائم مماثلة لأي تخصص.

وأنا هنا أريد أن أشير إلى نقطتين :
النقطة الأولى : أن الكثير ممن نصحني بعدم التخصص في مجال الاعلام أصبح اليوم يلهث وراء الكاميرات ويبحث عن تلميع وجهه في كل شاشة ويكد ويتعب من أجل أن يراه الناس في الشاشة مع سعي دائم وراء المناصب الاعلامية الوهمية التي لا قيمة لها , وبالأمس كان يعظني عن خطر الظهور الاعلامي وفساده وما يترتب عليه من سلبيات , هل يدرك الآن هو وأمثاله أنه العنصر الفاسد في المنظومة الاعلامية ولكي نطهر الاعلام من الفاسد لا بد من التخلص منه.
النقطة الثانية : يتحجج هؤلاء الناصحين بأن جلب المصحلة هو الذي دفعهم للدخول إلى الساحة الاعلامية , ألم يكن دافعهم وقت النصيحة دفع المضرة أولى من جلب المصلحة , لماذا لا يدفع المضرة ويجلس في بيته وخاصة بأن الناس ليسوا بحاجة لمنفعته , لأنه كما قلت سابقاً العنصر الفاسد في المنظومة الاعلامية ولا يرجى منه خير , فالأولى ابعاده حتى لا ينشر فساده في البيئة الاعلامية.

ختاماً : قبل أن تنصح الآخرين فكر جيداً في النصيحة التي تريد أن تقدمها , ولتكن نصيحتك مبنية على أسس علمية بعيداً عن قال فلان وذكر علان لكي لا تقع في شر كلامك , ولا تنسى :
              لا تنهى عن خلق وتأت مثله .. عار عليك إذا فعلت عظيم

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@



1436/10/12 هـ

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

العيد الأسير


كل عام وأنت بخير .. وتقبل الله منا ومنك صالح الأعمال .. عيدك سعيد ومبارك
هذه الكلمات المألوفة التي أسمعها في كل عيد حتى أصبحت لا أشعر بلذتها وبمعانيها ومدلولاتها , أصبحت أرددها من دون أن أستشعر قيمة ما أقوله وكل ما أعرفه أنه يجب علي ترديد هذه الكلمات لأسير مع السرب في العيد , ولم أعد أستطيع استحضار مشاعر الفرح والسرور التي كانت تأتي دون تكلف قبل عشر سنوات , يومها كنت أسعد بمجرد سماع خبر اعلان دخول العيد دون أن أتعنت في استحضار تلك المشاعر كما يحدث معي في الوقت الحالي , وأجزم أني أردت أن أكتب عن العيد بأنه يوم حزن وليس يوم فرح , ولكن ما يمنعني أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالفرح في هذا اليوم اظهاراً لرحمة الله سبحانه وتعالى وجزيل عطائه على عباده , وأيضاً تعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى يتحتم علي اظهار مشاعر الفرح , فهذا هو السبب الذي يجعلني أشعر بقليل من النشوة في العيد.

لم تختفي مظاهر السعادة والفرح في العيد الإ بعد أن ربط الناس فرحة العيد بالماديات , فأصبح الزيارات واللقاءات كلها مرتبط بالماديات في غياب شبه تام للمشاعر الروحية التي ينبغي أن تتجلى في العيد , فأصبحت ترى انقطاع الزيارات بين الأقارب بحجة أن مجرد الاتصال للتهنئة كافية , وأصبحت ترى الأطفال لا يفرحون الإ إذا وجدوا شيئاً مادياً , وهذا مؤشر خطير على انتهاء جزء كبير من براءة الصغار , وبالمناسبة من الأشياء التي كانت تسعدني في العيد عندما كنت صغيراً ولا زالت تسعدني وترفع كثيراً من معنوياتي الزيارات العائلية التي بدأت تندثر , وقتها كانت الفرحة بالماديات بسيطة ولم نربط سعادتنا بالماديات كما يحدث الآن وللأسف.

ختاماً : لكي نسعد بالعيد نحتاج إلى فك ارتباط العيد بالماديات وأن نجعل العيد موسم للتزوار والتراحم والتواصل , لنعلم الأجيال القادمة أن فرحة العيد ليست في المادة وإنما في التواصل والتقارب , لنعلمهم تعظيم الله شعائر الله سبحانه وتعالى مهما كانت الأحوال , ولكي يتحقق ذلك لا بد أن نطلق العيد من أسر الماديات لينطلق بعدها في نشر مشاعر الفرح والسرور في نفوسنا ثم في نفوس أولئك الصغار الذين تعلموا بأن فرحة العيد مرتبطة بالمادة !


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@


1436/10/6 هـ

الثلاثاء، 14 يوليو 2015

رمضانك الآخر ..!


بعد يومين أو ثلاثة أيام سنودع شهر رمضان الفضيل الذي نزل علينا ضيفاً جميلاً ليجدد الروح ويقوي أواصر العلاقة بيننا وبين ربنا المعبود , سيرحل ليحقق وعد الله الذي قال عنه في كتابه الكريم (أياماً معدودات) , سيودعنا رمضان وقد ترك فينا أثراً جميلاً عن جمال حياة القرب من الله وما فيها من الفلاح والسعادة والطمأنينة , يرحل رمضان وقد ربطنا بالله سبحانه وتعالى لنبقى طوال العام متصلين به كما كنا في رمضان , يرحل عنا رمضان وقد ترك في نفوسنا محبة الخير للآخرين وادخال السرور على قلوب المساكين بالصدقة أو المساعدة , وكأن رمضان يقول : أنا رمضان الشهر التاسع من كل عام قد مضيت فاعمل لرمضانك الآخر.

رمضانك الآخر هو ما تركه فيك رمضان من أثر جميل وخلق محمود , فنرى المقصر في الصلاة بقية العام قد واظب عليها في رمضان , فرمضانه الآخر هو أن يستمر على نفس المنوال في بقية الشهور , لنرى منه العزم والحرص على الصلاة كما كان في رمضان.
وأما الذي اقترف المعاصي والسيئات طوال العام وانتهك حرمات الله , نراه قد توقف عنها في رمضان وأقبل إلى الله تائباً عابداً مستسلماً راغباً ما عنده من الأجر العظيم والثواب الجزيل , تراه مقبلاً على الطاعات مبتعداً عن المحرمات بقدر ما يستطيع , فيرحل عنه رمضان وتُطلق الشياطين فيوسوس له بالعودة , فتأتيه رسالة من رمضانه الآخر ليذكره بجميل صنيعه في رمضان وأن أول علامات قبول تلك الأعمال المدوامة عليها , فرمضانه الآخر أن يستمر على الخط الذي سار عليه في رمضان والأ يحيد عنه مهما كانت المغريات.
ختاماً : ما ذكرته من نماذج هي أمثلة بسيطة للإستدلال فقط , والا فلكل شخص منا رمضانه الآخر الذي هو أدرى بنفسه , ويدرك جيداً أن عليه أن يجاهد في رمضانه الآخر كما اجتهد في رمضان الشهر التاسع , والإ فما فائدة رمضان وقد رحل عنك دون أن يزرع فيك نبتة حسنة , أو يغير مسار عملك من الأسوأ إلى الأفضل ومن الحسن للأحسن , فلتري الله من نفسك خيراً في رمضانك الآخر !


لا تنظر إلى السطر التالي الإ في صباح العيد :
{ كل عام وأنت بخير , وتقبل الله منا ومنك صالح الأعمال , وعيدك سعيد ومبارك }
محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@
1436/9/27 هـ

الثلاثاء، 7 يوليو 2015

(أدرك العشر)



مع مرور أيام شهر رمضان الفضيل تتعود النفوس على مشقة الصوم ويصبح الصوم أمراً مألوفاً لا مشقة فيه , فتنشط الأبدان والقلوب وتبحث عن المزيد من الخير والأعمال الصالحة , فُينزل الله سبحانه وتعالى في هذا الوقت رحمته على عباده بأن يجعل لهم خير أيام الدنيا في أواخر رمضان , ليستدرك الصائم ما فاته فيما مضى رغبة في التعويض , ثم يبشر الله عباده سبحانه بأن في هذه الأيام ليلة هي خير من ألف شهر , ويجعل جزاء من قامه إيماناً واحتسابا مغفرة ما تقدم من ذنوبه.
إن المسلم الفطن اللبيب يدرك قيمة هذه المواسم العظيمة والأيام الجليلة , فيستعد لها أحسن الاستعداد , ثم إذا أقلبت هذه الأيام الفاضلة اجتهد فيها اجتهاداً كبيراً لأنه علم ما في هذه الأيام من المزايا والخير العظيم , وما أعده الله في هذه الأيام من الأجور العظيمة فتراه يسابق في الخيرات والأعمال الصالحة , فهو يتنقل بين العبادات ولا يفتر أبداً وكيف يفتر وقدوته في هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره , في اشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى شدة فضل هذه الأيام , وأيضاً رسالة منه أن المسلم ينبغي الأ يحرم نفسه نفحات هذه الأيام العظيمة , وأن يكون كل همه استثمار هذه الأيام والخروج منها بأكبر المكاسب.
ولا يكتفي المسلم وحده بإستثمار هذه الأيام , بل عليه أن يحث أهله ويرغبهم وقدوتنا في ذلك حبيبنا صلى الله عليه وسلم , فعن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره , وأحيا ليله , وأيقظ أهله " , وهذه نقطة جوهرية حيث أنه صلى الله عليه وسلم لم يترك أهله وتفرغ للتعبد لوحده , بل جعل من أولوياته مشاركة أهله في استثمار هذا الموسم الجليل.


ختاماً : ومن ينوي استثمار هذه الأيام الصالحة بالأعمال الصالحة فإنه حتماً سيدرك ليلة القدر , فالمسلم المستقيم لن تفوته هذه الليلة العظيمة بل يعمل كل الأسباب من أجل أن يكون ممن كُتب له قيامها , ولا تنسى أن تكثر هذه الأيام من ترديد الدعاء المأثور عن النبي الكريم " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني "


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/9/20هـ

الثلاثاء، 30 يونيو 2015

موقعة بدر والانطلاقة


مع اقترابنا من منتصف شهر رمضان المبارك كان لا بد من الحديث عن ذكرى موقعة بدر , الغزوة التي مالت كِفة المسلمين في الصراع بين الشرك وتوحيد الله , حيث عاش المسلمون سنوات طويلة تحت اضطهاد وظلم كفار قريش حتى جاءت موقعة غزوة بدر فنصر الله المسلمين نصراً مؤزراً , وارتفعت راية  الحق منذ ذلك اليوم , لتكون غزوة بدر موقعة التغيير التي نقلت القوة إلى المسلمين بعد أن كانت بأيدي المشركين.

في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة علم الحبيب صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان قادم من الشام بقافلة تجارية تابعة لقريش , وكانت قريش قد نهبت أموال المسلمين وديارهم وممتلكاتهم بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة , ولأن خط سير قافلة أبو سفيان تمر بقرب المدينة المنورة خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لإيقاف القافلة واسترداد أموالهم , وفي هذه الأثناء وصلت الأخبار إلى كفار قريش في مكة فاستعدوا وخرجوا لقتال المسلمين , ولكن أبو سفيان سلك طريقاً مختلفاً واستطاع الهرب من أيدي المسلمين , ولكن المشركين القادمين من مكة أرادوا قتال المسلمين رغم أن مصالحهم لم تتضرر وكأنهم استعجلوا هلاكهم , فالتقى الفريقان في موقعة بدر ونصر الله المسلمين نصراً مؤزراً وقُتل رأس المشركين أبو جهل وأمية بن خلف وغيرهم.



لم يكن الانتصار في موقعة بدر مجرد انتصار فقط بل كانت الانطلاقة القوية لدعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم , لأنها المرة الأولى التي يلتقي فيها الفريقان وجهاً لوجه وكلٌ فريق ذو قوة , وقد كان المسلمون من قبل في ضعف والمشركون أصحاب قوة , ولكن كُسرت شوكة الكفار ومالت القوة لصالح المسلمين وليمتلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه زمام القيادة والسيطرة في المنطقة , وكان شهر رمضان شاهداً على التحول الحقيقي للإسلام من خلال موقعة بدر , فكان لزاماً أن نربي أجيالنا على أن شهر رمضان هو شهر التغيير إلى الأفضل , وكما أن المسلمين انتصروا في رمضان وهزموا الكفار ,
لا بد أن ننتصر ولو على أنفسنا بأن نرغمها على فعل الخير ونغيرها إلى ما فيها خيرها في الدنيا والآخرة.



ختاماً : إذا جاء يوم السابع العشر من رمضان ينبغي أن تكون لأرواحنا صلة بهذا الانتصار العظيم , وأيضاً ينبغي أن تكون لأنفسنا صلة بمصطلح التغيير الذي أحدثه المسلمون بزعزعة عروش الظلم في موقعة بدر , ولنجعل من هذه الذكرى انطلاقة قوية لتعريف الجيل القادم بأسلافهم الذين بلّغوا هذا الدين وجعلوا أرواحهم فداء له , ولنجعل هذه الذكرى وفاءاً للنبي صلى الله عليه وسلم الذين تعب وقاوم الأذى وكابد المشقة من أجل أن يبلّغ هذا الدين.





محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/9/13هـ

الأربعاء، 24 يونيو 2015

رمضانك الأول !



في بداية شهر رمضان ومنذ سنوات أحاول ملاحظة طريقة استقبال الناس لشهر رمضان وكيفية تعايشهم مع شهر رمضان , فتوصلت إلى نتيجة غير مستغربة وكانت متوقعة , وهي أن الناس تتعامل مع شهر رمضان وكأنه أول رمضان , وكأن الشهر التاسع في الأعوام السابقة لم يكن صائماً , ويتضح ذلك على سبيل المثال في الخطباء الذين يكررون الطرح ذاته في كل عام , وأيضاً من خلال تفاجئ الناس بقدوم شهر رمضان , ولا ننسى أسئلة الناس نفسها في كل عام.


إن الشخص الذي يتعامل مع رمضان في كل عام على أنه يصوم لأول مرة لن يتذوق طعم رمضان في حياته ولن يدرك الهدف من الصيام , إنما يتذوق طعم رمضان ويدرك حلاوته من يبني عمله في العام الحالي على أعمال الأعوام الماضية فيسير على الخطة التي وضعها قبل سنوات , فرمضان لمن عرف قيمته موسم لإكمال ما بدأ به من أعمال في السنوات الماضية , وأيضاً تحسين خطة السنوات القادمة مع زيادة مستوى التميز والانتاج , فيزدهر أكثر عن السنوات الماضية , فمثل هذا عرف سر شهر رمضان وكيفية التعامل معه , وأيضاً استثمار هذا الشهر الفضيل على أكمل وجه.
ولكن الحال مع الأغلبية مختلف جداً , لأنهم يتعاملون مع شهر رمضان وكأنه يبلغه للمرة الأولى في حياته , فيأتي ويذهب دون أن يضع لنفسه خطاً يسير عليه , ليخرج من هذا الشهر دون يتأثر بشيء رغم أنه كان يؤدي الشعائر والعبادات , ولكنه لم يستعد لرمضان كما استعد المدرك لحلاوة شهر رمضان وقيمته , فيمضي عليه شهر رمضان وكأنه شهر مثل بقية أشهر السنة.


ختاماً : لننظر إلى نماذج من حياة السلف الصالح وكيفية استعدادهم لرمضان وكيف أنهم يبنون العمل على أعمال السنوات الماضية , قال بعض السلف الصالح " كنا ندعوا الله سبحانه وتعالى ستة أشهر أن يبلغنا رمضان وندعوا الله ستة أشهر أن يتقبل منا أعمال رمضان ".


محمود مختار - جدة
mahmoodovic@

1436/9/7 هـ

الثلاثاء، 16 يونيو 2015

(رمضان .. بين الترحيب والتكريم !)

#برقية_الثلاثاء 


أهلاً رمضان , هذا هو الاستقبال المعتاد الذي نراه ونسمع به في كل عام.
أهلاً رمضان , تنطق بها أفواه الصغار قبل الكبار , ابتهاجاً بمقدم شهر الخير والعطاء.
أهلاً رمضان , لافتة تتزين بها الشوارع والمحلات وأجهزة الجوالات وحتى مداخل الأزقة الصغيرة , ترحيباً بشهر رمضان المبارك.
أهلاً رمضان , ضيف عزيز , افتح له أبواب قلبك , وأرشده إلى مداخله , ووضح له تفاصيله حتى يستطيع أن ينتقل فيه.
أهلاً رمضان , ثم ماذا !؟
قمت بواجب الترحيب , ماذا عن واجب الاكرام !؟


إذا عدت بذاكرتك إلى الوراء للأعوام القليلة الماضية من شهور رمضان ترى الناس تُحول شهر رمضان إلى ساحة للكسل وتعطيل للتنمية وضعف للانتاج بحجة أنه شهر رمضان , هنا لا أتكلم عن تنمية المجتمع والوطن فقط بل حتى عن تنمية الذات , وكأن رمضان موسم لتطبيق الكسل وتعطيل مصالح البلاد والعباد.
وهناك الفئة الأخرى التي تستقبل رمضان بالتسوق ثم تكرم نفسها بإلتهام كل ما لذ وطاب بقية الشهر , فترى جميع أنواع المأكولات على السفرة حتى تشعر أنها سفرة لأهل الحي بأكلمه.
كيف تشعر هذه الفئة بالجوع في نهار رمضان وهي تعلم أنها ستجد بعد ساعات كل ما تشتهيها !؟ , كيف يدرك أحدهم شعور الجائع وهو لم يجع أصلاً ! , إنما يشعر بالجوع من يعلم أنه قد يدخل عليه وقت السحور وهو لم يفطر بعد , هذا الشعور بالجوع يجده الروهنجي في أراكان وخارجها من اللاجئين , والسوري النازح إلى مخيم لا يجد فيه السحور أصلاً حتى يصوم , والصومالي الذين يصوم طوال السنة.



ختاماً : قال د. أحمد خيري العمري في كتابه الظريف (الذين لم يولدوا بعد) : رمضان على الأبواب يكاد يطرقها. فلا تفتح له ..
أقولك لك : هذه المرة لا تفتح له ..
نعم لا تفتح له إذا كان سيكون مجرد رمضان آخر , مجرد ضيف آخر يزورك كل سنة مرة , ويمكث شهراً ثم يمضي دون أن يترك أثراً , فلا تفتح له.
إذا كان سيكون شهراً آخر تجوع وتعطش فيه قليلاً , ثم تتضخم وتمتلئ فيه بطنك كثيراً , فمن الآن أقول لك : لا تفتح الأبواب.

(كل رمضان وأنتم بخير)


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/8/29 هـ

الثلاثاء، 9 يونيو 2015

(مجرد هدف !)

#برقية_الثلاثاء



في بداية شهر شعبان اجتمع عدد من الأصحاب ووضع كل شخص هدفاً سيعمل على تحقيقه قبل نهاية شهر شعبان , فالأول اختار أن يصوم 15 يوماً من شهر شعبان والآخر كان هدفه حضور خمسة دورات تدريبة لتطوير ذاته والثالث جعل هدفه تعلم 1000 كلمة من اللغة الانجليزية نطقاً وكتابة والرابع كان هدفه .. والخامس ... وهكذا , كل شخص وضع هدفاً يرى أنه قادر على تحقيقه , وافترق الجمع وكل شخص قد عزم على تحقيق هدفه في الموعد المحدد.

وقبل أن أكتب هذا الكلمات سألت كل شخص وضع هدفاً في بداية شعبان , وهل عمل على تحقيقه كما قال !؟ , وكم نسبة الانجاز الذي وصل إليه !؟
كانت الاجابات صادمة ومفاجئة , حيث أن أفضل شخص كانت نسبة انجازه لم تتجاوز الـ 10%.
هنا قد أعذر الشخص الذي لم يستطع أن ينجز هدفه لمروره بظروف حالت بينه وبين تحقيق هدفه , ولكن المشكلة الكبرى أن جميع الأشخاص لم يتأثروا ولم يصيبهم أي هم أو حتى لم يضيق صدرهم ولو لدقائق بسبب عدم قدرتهم على تحقيق أهدافهم , وإنما كانت ردودهم بأنه (مجرد هدف!)
كيف يستطيع العاقل أن يحقق أهدافه في الحياة إذا كانت نظرته للهدف بأنه (مجرد هدف) !؟ , كيف سيكون بمقدوره أن يكون قائداً يزرع في نفوس الجيل القادم العزم والصبر والمثابرة على تحقيق الأهداف والسعي الجاد وهو يرى بأنه (مجرد هدف) !؟ , بل كيف تكون لديه العزيمة والمثابرة إذا كانت الأهداف بالنسبة له (مجرد هدف) لا أكثر!
أسأل نفسي كيف تحولت الأهداف التي كان أسلافنا يحفرون الصخر ويقطعون البراري والبلاد ويواصلون الليل بالنهار ويكتفون بالقليل من الطعام والشراب من أجل هدف قد يكون تافهاً في أنظارنا , كيف تحولت تلك الجهود العظيمة التي يعجز الانسان عن تفسيرها أو حتى تخيلها إلى أنها كانت لـ (مجرد هدف) , كيف تحقق أمة المجد وتتبوأ الأماكن المتقدمة بين الأمم وأبنائها يؤمنون بنظرية (مجرد هدف).


ختاماً : تلك الأهداف المجردة صنعت لأمة الاسلام تاريخاً امتدت لقرون طويلة , وأنارت الكون بمجرد تلك الأهداف , وأيقظت كافة شعوب العالم من ظلمات الجهل والتخلف بـ (مجرد هدف) عملوا على تحقيقه.
وأنت إن لم تبكي على مجرد هدفك الذي ضيعته ولم تعطه اهتماماً , إن لم تبكي عليه وتعقد العزم على تحقيقه ستكون (مجرد شخص) عابر في هذه الدنيا رحل ولم يعلم عنه أحد , ولم يأبه لرحيله أحد , لماذا !؟
لأنك (مجرد شخص).


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/8/22هـ

الثلاثاء، 2 يونيو 2015

‫#‏ذكرى_نكبة_الروهنجيا_3_يونيو‬


الروهنجيا : العرقية الأكثر اضطهاداً في العالم حسب قول الأمم والمتحدة وسميت مأسآتهم بـ (مأساة القرن) , فهم يعيشون في إقليم أراكان إحدى أقاليم بورما (كانت ممكلة اسلامية ) وتقع غرب دولة ميانمار (بورما سابقاً) , وتبدأ قصة مأساة الروهنجيا في أراكان بعد دخول الاسلام إليها عن طريق التجار المسلمين , واستمر مسلسل المضايقات ومحاولة الإيذاء حتى سقطت ممكلة أراكان في أيدي السلطات البوذية عام 1784 م , وقام البوذيون منذ احتلال أراكان بتعذيب المسلمين والاعتداء عليهم والاستيلاء على ممتلكاتهم , وظل المسلمون على هذا الحال حتى قام البوذيون بالإبادة الكبرى ضد الروهنجيا عام 1942 م حيث اُستشهد ما يقارب 100 ألف مسلم وهاجر أكثر من نصف مليون إلى خارج أراكان , وبعد أن حصلت بورما على استقلالها من بريطانيا عام 1948 م بدأ البوذيون في تشديد الخناق على المسلمين وحرمانهم من حقوقهم المشروعة وبعد ذلك بسنوات ومع الانقلاب العسكري تم سلب كافة الحقوق من الروهنجيا وخاصة حق المواطنة التي سلبت منهم , وتم اتهامهم بأنهم دخلاء على أرض أراكان رغم أن الدلائل تؤكد على أصالة عرقية الروهنجيا في أراكان.

وفي يوم 3 يونيو من عام 2012 م هاجم 300 شاب بوذي مسلح حافلة كانت تُقل عشرة من العلماء المسلمين الذين أتوا من العاصمة رانغون إلى أراكان لتعليم الناس أمور دينهم , فقٌتلوا جميعاً ولم يكتفوا بقتلهم , بل مثَلوا بجثثهم وزعموا أن هذا انتقاماً لقتل المسلمين فتاة بوذية قبل عدة أيام.
ومنذ ذلك اليوم استمرت آلة التعذيب والاضطهاد ضد الروهنجيا بدعم الرهبان البوذيين المتطرفين والحكومة العسكرية التي هيأت لهم أسباب القتل والتعذيب بعدم إيقاع العقوبات عليهم جراء أفعالهم أو حتى منعهم عن الظلم , وأيضاً دعم الحكومة لبعض المنظمات المتطرفة بتوفير السلاح وتدريبهم على استعمالها.



ختاماً : ولأن 3 يونيو كانت بداية علميات القتل والتشريد والتهجير القسري والحرق الجماعي للقرى ومنعهم من التنقل , إضافة إلى اغتصاب النساء واعتقال الأبرياء وتعذيبهم وامصادرة ممتلكاتهم , ولا تزال هذه الانتهاكات مستمرة حتى يومنا هذا , فاتفق الروهنجيون الأحرار على جعل يوم 3 يونيو كذكرى لهم , وأيضاً لتذكير الأحرار في العالم بمأساة القرن (مأساة الروهنجيا)!


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/8/15هـ

الثلاثاء، 26 مايو 2015

حرب الأفكار (2)


بعد تجربة طويلة في متابعة الحورات والمناقشات بين الفئات المختلفة في الأفكار والآراء , تيقنت أن الفئات التي تؤمن بفكرة معينة مكتسبة كانت أو متوارثة تبيح لنفسها مهاجمة أي فئة أخرى تخالف فكرتها ونقدها والنيل منها والتقليل من شأنها ومحاولة اقصائها أيضاً , ولكن إذا فكرت فئة أخرى في نقد أفكارها , تُتهم تلك الفئة بأنها تبغي على الحق وأنها تريد الضلال للمجتمع وأنها وأنها ,,, وقائمة طويلة من التُهم التي لا تنتهي , وهم بذلك يرون أن لهم حرية نقد من يخالفهم ولكنهم خط مقدس لا يستطيع أحد نقدهم أو الاقتراب حتى ولو كانت أفكارهم خاطئة وغير عقلانية.


إن الوصول إلى الاعتقاد بقدسية الأفكار التي تحملها فئة معينة لهي مرحلة خطيرة وتنبيء عن كارثة في التعايش مع الآخر , فكل فئة تعتقد بقدسية أفكارها حتماً ستحاول فرض أفكارها على الآخرين ولو كانت بالقوة والتطرف , وستدافع عن أفكارها ولو أدى ذلك إلى إراقة الدماء والتعدي على الآخرين , فالإنسان لا يسمح بالتعرض للأشياء المقدسة لديه ويدافع عنه بكل ما أوتي من قوة وبشتى الوسائل حتى لو كانت خاطئة.
إن مفهوم التعايش قائم على قبول الطرف الآخر المختلف مهما كانت أفكاره مختلفة , وأيضاً قائم على احترام أفكاره وعدم التعرض له لمجرد المخالفة أو عدم التوافق في فكرة ما , وإنما يحصل التعايش بتعاضد الفئات المختلفة في التوجهات والآراء تحت ظل واحد من أجل وحدة الأرض , مثل لوحة جميلة مزجت فيها ألوان مختلفة , لكل لون نسبة معينة لا تزيد ولا تنقص , فإن زادت أو نقصت خرجت اللوحة باهتة وفقدت جمالها ورونقها , وكذلك التعايش إذا أرادت فئة معينة فرض أفكارها على فئة أخرى سيفقد التعايش رونقه وجماله , لأن نسبة معينة من اللون سيصبح طاغياً على بقية الألوان.


أخيراً : إن بناء الانسان والأوطان تحتاج إلى مزيج من الأفكار المختلفة حتى يخرج انساناً ذو معرفة واسعة ومدركاً للثقافات المختلفة , ولن يتحقق هذا الإ بالتعايش مع الأفكار المختلفة , والإ سيصبح البشر عبارة نسخ متشابهة لا يختلف أحدهم عن الآخر الإ في شكله , ونحن لا نريد هذا , إنما نريد لوحة جميلة متشكلة من أفكار مختلفة لنرى جمال ورونق الصورة.


محمود مختار - جدة
mahmmoodovic18@

1436/8/8 هـ

الثلاثاء، 19 مايو 2015

حرب الأفكار (1)

#برقية_الثلاثاء



يولد الانسان على الفطرة السليمة الصحيحة البعيدة عن الشوائب والشبهات ولا يستطيع أحد التأثير عليه بشكل أو آخر في مرحلة الطفولة المبكرة من ناحية الأفكار لأنه يعيش في مرحلة لا يستطيع الآخرين التأثير عليه من الناحية العقلية , روى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) ومع تقدمه في العمر والاختلاط مع أشخاص آخرين والاندماج في المجتمع يتعرف على أشكال جديدة من الأفكار من البيئة المحيطة به ثم يتبناها كمنهاج حياة دون أن يبحث عن صحة هذه الأفكار.


ومع التقدم في العمر والانتقال إلى بيئة أكبر من بيئته التى تربى فيها يتعرف على أفكار أخرى غير التي يعرفها ويؤمن بها والتي اكتسبها من مجتمعه الضيق , فيدخل في حالة صراع مع هذه الأفكار الجديدة التي قد تكون أكثر صحة من أفكاره , ومع ذلك لا يجد في نفسه قبولاً لهذه الأفكار لأنها لا تتوافق مع أفكاره , فالإنسان يبحث عن ما يشبهه ويتوافق معه فينكر الأفكار الجديدة , وبالتالي يصل إلى مرحلة اتهام ومهاجمة أصحاب الأفكار المختلفة عنه بالجهل وعدم المعرفة والتخلف دون أن يتأكد من ماهية أفكارهم ولماذا هم يؤمنون بهذه الأفكار أو البحث عن صحة الأفكار التي يحملها ويدافع عنها بشراسة في كل المناسبات , ويضع نفسه دائماً وأبداً في خانة المكان الصحيح البريء من كل خطأ ويصنف الآخرين المختلفين عنه أنهم على خطأ , ولكي يعودوا إلى الصواب عليهم التقدم إلى خانته وتنبني أفكاره التي لا يعرف عن مدى صحتها أصلاً والتخلي عن أفكارهم السقيمة كما يعتقد , وإن لم يفعلوا ذلك صنفهم على أنه أعداء ويرفض التعامل معهم لأنه مختلفون عنه.

ختاماً : لكل فئة من البشر أفكار معينة قد لا تشبه أفكار الفئات الأخرى من المجتمع , ولكن هذا لا يعني أن أحدهم على صواب والآخر على خطأ وإنما هي اختلاف في وجهات النظر وطريقة زرع الأفكار بالطريقة التي تخدم الفئة نفسها , فكل مجموعة نظرت من الجانب الذي يرى أنه صحيحأً فإن حصل توافق في أفكار معينة بين فئتين فهذا حسن وإن حصل اختلاف فهذا لا يعني أنه يجب عِداء أصحاب الفكر المختلف لأنه لا يشبهنا , وإنما ينبغي النظر في ما لدينا من أفكار فربما كانت أفكارهم أصح من أفكارنا.


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/8/1هـ

الثلاثاء، 12 مايو 2015

حياة الطوارئ!


يحدث كثيراً أن تجتمع الاعمال على الشخص حتى لا يجد الوقت الكافي لينتهي منها , فيضطر إلى أن يعمل في وقت راحته حتى ينجز عمله وينتهي منها في الوقت المحدد , وغالباً ما تكون جودة هذه الاعمال قليلة , وفي الناحية المقابلة يمر في بعض الأوقات بفراغ موحش لا يجد عملاً لكي يقوم به , فتمر عليه الساعات الطويلة دون أن يعمل شيئاً , فالحالة الأولى مهلكة بكثرة العمل , والحالة الثانية مملة بسبب الفراغ الطويل.

وإذا أردنا أن نشرح سبب حدوث الحالتين السابقة لا بد أن نرجع إلى المنظومة التي أشار إليها د. ستيف كوفي في كتابه الشهير (العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية) وهي منظومة من أربع خانات , ولكي نوّصل الفكرة بشكل أفضل ينبغي أن نبدأ من الخانة الرابعة وهي (يقضي الناس أوقاتهم في أنشطة غير مهمة وغير عاجلة) ويعني هذا أن الانسان يقضي وقته في نشاط لا يعود بالنفع عليه غالباً , وسلبية هذه الخانة قضاء وقت طويل له ضرر كبير على الشخص وهي الحالة الثانية التي ذكرتها مسبقاً , وننتقل إلى الخانة الثالثة وهي (نشاط عاجل وغير مهم) ويعني هذا أن النشاط غير مهم بالنسبة للشخص لكنه عاجل لغيره , وللخروج من هذه الخانة وعدم تضييع مزيداً من الوقت فيها يجب اتقان فن الاعتذار تجنباً للحرج.

وإذا استطاع الانسان أن يغلق الخانة الرابعة أو يضيقها ثم يخرج بلباقة من الخانة الثالثة سيجد نفسه في الخانة الثانية وهي خانة الجودة (نشاط مهم وغير عاجل) وفي هذه الخانة يستطيع القيام بدوره من دون ضغوط أو اقتصاص لأوقات الراحة , وإذا استطاع الانسان توسيع هذه الخانة يستطيع حتماً القضاء على الخانة الأولى وهي خانة الطورائ (نشاط مهم وعاجل) وهي الحالة التي ذكرتها في بداية المقالة , بحيث يعيش الانسان حالة عالية من الضغط يشعر فيها بأن حياته تحولت إلى حالة طوارئ لكثرة المشاغل التي انهالت عليه , وأيضاً لأهميتها بحيث لا يستطيع التغاضي عنها.


ختاماً : إذا تعود الانسان تأدية أعماله ونشاطاته المهمة بشكل غير عاجل سيرتفع مبدأ الجودة في حياته ويتخلص من الضغوط , ويتخلص من حالة الطوارئ التي يعاني منها أغلب البشر ثم يفشلون في إدارتها.

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@
1436/7/23هـ

الثلاثاء، 5 مايو 2015

أيها الروهنجي .. حتماً ستموت!


بعد أربع سنوات على انطلاقة الثورة السورية ضد بشار الأسد تشير التقارير إلى أن عدد القتلى تجاوزت 200 ألف شخص وأن أعداد المصابين بلغت نحو نصف مليون جريح , والملايين من اللاجئين وأعداد لا تنتهي من المنكوبين والمشردين , هذه الحالة من الضياع والتشريد وحجم المأساة الكبيرة حصلت خلال أربع سنوات فقط , تحولت فيها سوريا من دولة جميلة كانت مضرب المثل بجمالها وسحرها إلى قرية متهالكة لا ترى فيها الإ الدمار والتخريب.

هذا ما حدث في الغرب الأسيوي , لننتقل إلى الشرق الأسيوي ونسلط الضوء قليلاً على المشهد الأركاني وعرقية الروهنجية التي تُمارس ضدها التطهير العرقي منذ أكثر 200 سنة , ترى كيف سيكون حال شعب يتعرض للظلم والإبادة منذ قرنين من الزمن , وأنت ترى أن سوريا تحولت خلال أربع سنوات إلى مقبرة , وتشرد سكانها في الدول المجاورة , وأصبحت مخيمات اللاجئين السوريين في كل مكان , تخيل كيف سيكون حال من يتعرض لنفس الإبادة منذ 70 سنة , كم سيبلغ أعداد اللاجئين , كم سيبلغ أعداد القتلى والتقارير تؤكد بأن ضحية مذبحة عام 1942 م  وحدها بلغت أكثر من 100 ألف مسلم أغلبهم من الشيوخ والنساء , ولا ننسى بأن الثوار في سوريا يحملون أسلحة ويدفعون عن أرضهم , لكن مسلمي الروهنجيا شعب أعزل لا يملك السلاح حتى يدافع عن نفسه.
وإذا سألت عن مصير الروهنجي هناك , فمصيره إما الموت على أيدي الحكومة البوذية تحت وطأة التعذيب , فإن استطاع الهروب غرق في البحر ولقي حتفه هناك أثناء هجرته , فإن سلم من ذلك أصبح عبداً في أيدي تجار البشر في الدول المجاورة يتلقى ألوان من التنكيل والتعذيب , فإن نجى من جميع الحالات السابقة بات جائعاً مشرداً في احدى مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة , لا يجد لقمة تسد جوعه أو مكاناً آمنا يؤيه , فهو ينتقل من مكان إلى مكان بحثاً عن الأمان والاستقرار ثم لا يجد الإ مزيداً من الصعوبات والتحديات.
ختاماً : أيها الروهنجي المظلوم في أقصى الشرق , كأني أشعر بأن العالم بحكامها ومسؤوليها وسكانها يقولون لكم : ستموتون حتماً , فلا تزعجونا بمشاكلكم!


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/7/16هـ

الثلاثاء، 28 أبريل 2015

الجوع وسوء الخلق!



في الأونة الأخيرة اضطررت إلى الأكل في المطاعم بشكل مستمر بسبب ضغوط العمل والدراسة , وفي كل مطعم أدخله كنت أحاول رصد تعامل الناس مع عمال المطاعم وردة فعلهم إن حصل تأخير أو خطأ منهم أو رصد التعامل بشكل عام , فخرجت بتجربة مليئة بالمواقف الجميلة المشرفة التي تدل على احترام الانسان للإنسان بعيداً عن شكله أو لونه أو عرقه وحتى ديانته , وفي الجانب الآخر رأيت الكثير من المواقف التي برز فيها التعامل السيء مع العمال دون اعتبار لكرامة هؤلاء العمال وغالباً يصاحب التعامل السيء الكثير من الألفاظ البذيئة الجارحة التي تنفر الآذان من سماعها ويرفض القلم تسطيرها.

ومن أغرب المواقف التي مررت بها وكان موقفاً في غاية السوء , أن أحدهم دخل المطعم وطلب نوعاً من الطعام , فأخبره صاحب المطعم بأن الأكل ليس جاهزاً وسيكون جاهزاً بعد ربع ساعة , وبعد دقيقتين فقط طالب العامل برفع النار وسبب ازعاجاً في المكان واتهم العمال بأنهم يكذبون عليه ودخل إلى المطبخ وبدأ بفتح القدور في منظر غريب , وسط دهشة كل من في المكان , واستمر على هذا الحال ما بين سب وشتم واتهام حتى مضت الربع ساعة واستوى الطبخ وأخذ طلبه وغادر المكان.

ترى ماذا استفاد من سبه وشتمه واتهامه !؟ وخصوصاً أنه لم أخذخ طلبه في الوقت الذي المحدد تماماً كما قال العامل!؟
وإذا كنت حاضراً في ذلك المكان , ترى ما الانطباع الذي ستأخذه عن هذا الشخص ؟

على المستوى الشخصي حاولت تبرير فعله بأن الجوع يضعف القوى ويشوش الدماغ فيثير أفكاراً رديئة , وخيالات فاسدة , ويثير الغضب ، ويحمل على سوء الخلق , ولكن رغم كل هذه الاحتمالات لا يمكن أن يصل الانسان إلى هذه المرحلة من سوء الخلق رغم كل الظروف.

ختاماً : ندرك جميعاً أن الجوع قد يجعل الانسان عصبياً , ولكن لا يمكن الاحتجاح بأن الجوع هو سبب سوء الخلق مع الناس , فإن أخلاق الكرام لا تظهر الا وقت الشدائد والمحن , فإذا لم يستطع الانسان أن يحسن خُلقه أثناء الكرب والشدة فلن تنفعه حسن خلقه وقت الرخاء.
وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستعاذة من الجوع فقد ورد عنه الدعاء المأثور " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ "


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/7/9هـ

الثلاثاء، 21 أبريل 2015

(بذور رمضان)


#برقية_الثلاثاء

مع بداية شهر رجب ودنو موسم الطاعات شهر رمضان المبارك استوقفتني عبارة
شهيرة للإمام ابن رجب يقول فيها " رجب لوضع البذور ، وشعبان للزراعة ، ورمضان للحصاد " , فإذا رجعنا إلى حالنا في شهر رمضان وجدنا أننا نريد أن نضع البذور فيها ثم نسقيها ونهتم بها ثم نحصدها أيضاً في ذات الشهر وهذا محال , لأن الانسان إنما يتدرج في الأعمال من أدنى مرحلة حتى يصل إلى أعلى المراتب , فمثلاً الطالب في حياته التعليمية يبدأ من المرحلة الابتدائية ثم ينتقل للمرحلة المتوسطة ثم للمرحلة الثانوية ثم يكمل دراسته الجامعية وهكذا , فهو يصعد السلم من درجة إلى أخرى بشكل متتابع.


والمسلم إذا أراد أن يستمتع بلذة العبادة والأعمال الصالحة في رمضان لا بد أن يتهيأ لها من شهر رجب , فهي محطة الإنطلاق للوصول إلى الهدف الأكبر رمضان , وعدم التهيء لرمضان من أول الأمر تجعل عبادات المسلم في رمضان سطحية لا أثر لها في النفس أو السلوك , فتصبح مجرد حركات أو شعارات يؤديها في فترة معينة دون أن تحدث تغييراً جذرياً في سلوكه أو عاداته , ويتضح ذلك بعد نهاية رمضان فيعود ذلك الانسان الذي كان قبل رمضان دون أن يُحدث فيه شهر رمضان بروحانتيه وكمية العبادات التي كان يؤديها أي أثر ايجابي أو تغيير نحو الأفضل , وكأن شهر رمضان كان واجباً لا بد من تأديته بهذا الشكل , وبمجرد الانتهاء منه يعود كما كان في السابق.

ختاماً : ها هو شهر رجب قد أقبلنا علينا , ورجب كما ذكرنا هو بداية الطريق إلى رمضان , فمن أراد أن يَحيى في رمضان حياة سعيدة ويغير من سلوكه بعد رمضان ويريد أن يرفع من مستوى الايمان في قلبه فلا بد من انطلاقة قوية من شهر رحب , ولا يعني هذا أن شهر رجب يختص بصوم أو بغيره من الأعمال , فلم يرد في هذا أي نص نبوي ولكن حتى تكون انطلاقة المسلم لرمضان سليمة لا بد أن يمسك نفسه عن الخطايا والآثام وأن يخفف منها قدر المستطاع في شهر رجب , حتى ينتقل إلى شهر الزراعة شعبان وهو طيب النفس هاجر للمعاصي والآثام , فإن المسلم إذا لم يضع البذور في شهر رجب سيدخل عليه شعبان وهو لم يهيء نفسه ليدخل عليه رمضان وهو خاوي من المشاعر الروحية الإ من رحم ربك.


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/7/2هـ

الثلاثاء، 14 أبريل 2015

الاحباط الايجابي!

                                            #برقية_الثلاثاء


يحدث كثيراً أن تتكالب التحديات والصعوبات على الانسان دفعة واحدة حتى يشعر أنه هالك لا مَحالة , فيدخل في صراع مع عدة جبهات ما إن ينتهي من تحدي حتى تظهر له عقبة جديدة , ويستمر على هذا الحال صامداً وصابراً حتى يفشل في إحدى التحديات فيتحطم بأسه وشدته ويتملَّّكَه اليأس والاحباط ويسيطر عليه الضعف والوهن , فيصبح عاجزاً متدهوراً لا يريد السعي والنهوض ويؤمن بأنه فاشل لا محالة ولا فائدة من الجد والاجتهاد ويستسلم لليأس ويعتقد أنه لن يتخلص من هذه العقبات أبداً.

إن الانسان الساعي إلى بناء نفسه وتطوير مجتمعه لا بد أن يكون متهيئاً  لكل الصعوبات والتحديات وأن يكون قادراً على النهوض بعد الإخفاقات ومواصلة السير رغم عقبات الطريق والصبر على الأذى والمشقة كما حصل مع الحبيب صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد لما وصل المشركون ورموه بالنبال والسهام حتى شجّ رأس النبي صلى الله عليه وسلم وكُسرت رباعيته وسال الدم من وجه الشريف , وانظر ماذا قال وهو في هذا الموقف العصيب والأعداء مجتمعون عليه من كل صوب وحدب يحاولون قتله والنيل منه (كيف يفلح قوم شجّوا رأس نبيهم!؟) ثم رفع يديه وقال بكل شفقة ورحمة (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) , لم يستسلم ولم يتراجع ولم يكن محبطاً ولم يدعو عليهم وهو مجاب الدعوة بل دعا لهم , لماذا !؟
لأنه صاحب رسالة يحمل هم الدعوة , فصاحب الرسالة لن يعرف اليأس والاحباط إليه سبيلاً , لأنه يعرف هدفه وأين يسير وما الذي ينتظره في نهاية الطريق , فيضع هذه الصعوبات والعقبات في مقابل النتيجة النهائية التي يسعى إليها فيستصغرها وربما تتلذذ بمشاقها وجعلها زاداً لطريقه نحو الهدف الأسمى.
قال الشاعر :
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب


ختاماً : لا يسلم الانسان في حياته من اليأس والاحباط ولكنه يستطيع أن يجعل من هذا الاحباط قوة دافعة للنجاح وأن يحولها إلى طاقة ايجابية تمده بالقوة والعزم وتدفعه نحو الانجاز والعمل على تحقيق الأهداف , وربما كان هذا الاحباط فرصة لمراجعة النفس ومحاسبتها على التقصير والتأكد من أنه لا زال مستمراً على الطريق الصحيح  , فهي فرصة للتأمل واستراحة تزود لعدة الطريق.


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@


1436/6/25 هـ

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

(هل أنت ذكي!؟)


يعتبر الذكاء واحدة من أهم المصطلحات تعقيداً على مر الزمن ورغم الجهود الكبيرة في وضع تعريف للذكاء الا أن أحداً لم يستطع وضع تعريف شامل للذكاء , وذلك لأن الذكاء يختلف باختلاف المكان والزمان , فمثلاً الطالب الذكي في المدرسة أو في كلية معينة هو الذي يحصل على درجات عالية ويكون من المتفوقين بغض النظر عن طريقة تعامله ومدى ذكائه خارج المدرسة أو الكلية فهو يعتبر ذكياً في محيطه ولكنه إذا خرج من محيط بيئته فقد لا يكون كذلك , ومثله الكاتب المتميز الذي يستطيع صياغة العبارات الجيدة واختيار الجمل الرشيقة ووضعها في قالب جميل ليخرج لنا بمقالة أو كتاب في منتهى الجمال فهو ذكي وبارع في محيط وبيئة الكتابة والتأليف ولكنه إذا انتقل إلى محيط آخر فحتماً سيحكم على نفسه بأنه شخص عادي جداً.

ولكن الغريب أن الانسان يريد أن يكون ذكياً في كل شيء وفي جميع الأحوال فالذكاء كما قلنا سابقاً مرتبط بالبيئة المحيطة بالإنسان , وقد قسم العلماء الذكاء إلى عدة أنواع منها الذكاء العاطفي والمنطقي واللغوي وغيرها وقلما تجتمع في شخص واحد كل الأنواع , فمحدثكم مثلاً يتمتع بذكاء جيد نوعاً ما في الجانب اللغوي ولكنه ضعيف نوعاً ما في الجانب الرياضي والحسابي ولكن هذا لا يعني أنه معدوم الذكاء في الجانب الحسابي فهو وإن كان ضعيفاً في هذا النوع من الذكاء الا أن لديه هامش ذكاء رياضي لا يستهان به مثل معرفة العمليات الحسابية الضرورية , وهذا ما نريد قوله بأن الإنسان يمتلك القوة في نوع أو نوعين من الذكاء ويكون لديه هامش ذكاء بسيط في بقية الأنواع يستعمله عند الحاجة اليه , فلذا لن أستغرب إذا دخلت كلية العلوم يوماً وقالوا لي بأني شخص عادي لا أتمتع بأي نوع من الذكاء لأن طلاب الكلية ينطلقون من نوع الذكاء الذي يحملونه.



ختاماً : مما سبق نفهم أنه ليس هناك انسان يتمتع بالذكاء الشامل ولكن هناك انسان ذكي في نوع محدد , فبالتالي لا تغضب اذا قال أحدهم بأنك لست ذكياً ولا ترهق نفسك في الرد عليه واثبات ذكائك فقد لا تكون ذكياً في محيطه وهو قد لا يكون ذكياً في محيطك , وأيضاً لا يعني كونك تتمتع بالذكاء في نوع محدد أنك أذكى الخلق فقد تكون غبياً في محيط آخر , فقط اعرف قدراتك واستثمرها دون الدخول في متاهات الذكاء لتعيش مرتاح البال!


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@


1436/6/18هـ

الثلاثاء، 31 مارس 2015

(هل وفرت لإيمانك مكيفاً !؟)


قبل أسبوع تقريباً قام بعض الأشخاص المجهولين بمهاجمة سيارتي وذلك بغرض سرقة شاشة السيارة أو المسجل , وكان لزاماً مع سرقة المشاشة أن يخلعوا مفاتيح تشغيل المكيف لأنه مربوط به فهي قطعة واحدة , وقد قررت الأ أشتري المفاتيح لأن الاحوال الجوية وقت السرقة كانت معتدلة مما يعني أني لا أحتاج إلى المكيف وأيضاً لأن السيارة حتماً ستعمل من دون مكيف فهو مجرد أداة تحسين وُجدت لراحة الراكب وإنما الأساس هي المكينة وملحقاتها وكما يقولون (أهم شيء السيارة تمشي) , وفجأة تغير الجو وأصبح حاراً ولأني دوامي يبدأ عند الرابعة عصراً وأضطر إلى الخروج عند الثالثة وقت الذروة في جدة كنت أصل إلى العمل وأنا أتصبب عرقاً وبحالة سيئة , فأسرعت إلى تركيب مفاتيح تشغيل المكيف الذي هيأ لي الراحة والأجواء الجميلة والوصول إلى العمل برائحة زكية والظهور بأبهى حُلة أمام الجموع.

فإذا أردنا أن نقيس مع قياس الفارق حالة السير بالسيارة من دون مكيف في شوارع جدة نهاراً على حال علاقتنا مع ايماننا بالله كيف ستكون !؟
لنتفرض أن جسم الإنسان هو السيارة وأنَّ السائق هو الإيمان الذي في داخلنا , فنحن غالباً نسير في حياتنا بالمكينة فقط من دون مكيف وأيضا من غير سعي على راحة الإيمان فنجعله يسير في الشمس الحارة من دون مكيف وحرارة الشمس تلفحه على الدوام حتى يتغير شكله ويصبح هزيلاً  لا يقدر على الحركة الإ بالقوة وبالتالي يفشل أمام المغريات والمهلكات التي تواجهه حيث نتعامل مع ايماننا كمن يسير النهار كاملاً وحرارة الشمس تضربه من كل اتجاه , ليخرج بعد ذلك للناس وهو سيء الهندام والمظهر والعرق يتصبب منه ومع الوقت يتغير لونه ويصيبه المرض ويصبح هزيلاً ضعيفاً.



ختاماً : إذا أردنا حياة سعيدة لا بد من أن نوفر لإيماننا المكيف البارد , وكيف يكون ذلك!؟
إذا شبهنا الأعمال المفروضة علينا كالصلاة والصيام بمكينة السيارة مع اختلاف الشبه نستطيع أن نسمي الأعمال الصالحة الغير مفروضة بمكيف السيارة وهي التي تأخذ حكم السنة والاستحباب مثل النوافل في جميع العبادات والصدقة وملازمة ذكر الله والمدوامة على قراءة القرآن , وإذا لم نوفر المكيف فسيكون إيماننا هزيلاً كالسائق الذي يسير في النهار بدون مكيف وتستطيع ملاحظة التعب والارهاق عليه بوضوح.

الآن اسأل نفسك : هل ايمانك يظهر متعطراً بهندام حسن كما تحب أن تظهر أمام الناس !؟


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@
1436/6/11هـ

الثلاثاء، 24 مارس 2015

(أموات ولكنهم أحياء)

لا يكاد يمر يوم الإ ونسمع فيه عن خبر وفاة شخص نعرفه فالموت يفتك بالإنسان في أي لحظة ليودع الحياة بعد رحلة قصيرة مليئة بالأحداث المثيرة , وتتباين رود أفعالنا بعد سماع نبأ خبر الوفاة بما قدمه هذا الشخص وما قام به من انجاز , فالبعض تترحم عليه فقط ولا تفتقده ولا تشعر بوفاته لأنه كان قبل وفاته شخص عادياً لم يقدم انجازاً يستحق أن تذكره به ولم تكن له بصمات في مجتمعه حتى تفتقده ولم يكن شخصاً فاعلاً في المجتمع حتى تشعر برحيله , فهو لم يزد في الأرض شيئاً بل كان زائداً على الدنيا يتنعم بخيراتها ويستهلك مواردها ورحل فجأة دون أن يشعر به أحد , ولكن هناك أشخاص بمجرد سماع نبأ وفاتهم تشعر وكأنك افتقدت جزءاً من حياتك وتدرك أن المجتمع فقد أحد أعمدته المهمة , وترى  الجميع حزين لفقده ويذكرون محاسنه ومآثره وأعماله الفاضلة , لأنه كان شخصاً معطاءاً وصاحب انجازات وكانت بصماته واضحة وله أعمال جليلة تجاه مجتمعه وكان شخصاً فاعلاً في مجتمعه يبذل كل ما يمكله من مهارة ومعرفة في سبيل رقي الانسان , وبرحليه تدرك بأن الكثير من الأعمال الفاضلة والكثير من العطاءات ستنقطع بإنقطاع هذا الرجل عن الحياة  , فهو بذكر الناس له بعد وفاته وانتشار سيرته الحسنة حصل على عمر آخر غير الأول فهو وإن انتهى عمر جسمه الإ أن عمر ذكره لا زال باقياً تتوارثه الأجيال ومع كل جيل يعيش حياة جديدة وعمراً جديداً , فكم من شخص عظيم الهمة مات في الماضي البعيد ولا زال ذكره حياً في ألسنة الناس , فالإمام البخاري والإمام مسلم  والإمام الترمذي والإمام حسن البصري - رضي الله عنهم - وغيرهم من أسلاف الأمة وعلمائها الأجلاء ماتوا قبل قرون بعيدة ولكنهم أحياء في ألسنة الناس بأعمالهم وجهودهم في خدمة الدين وأهله.
قال أمير الشعراء شوقي :
فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها . . . فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني



ختاماً : وأنت الآن تعيش بصحة وعافية بحمدالله وتتنعم بالخيرات الكثيرة وتملك الوقت والجهد اسأل نفسك , هل تريد عمراً جديداً غير التي تعيشه !؟ ماذا تريد أن يُقال عنك بعد رحيلك من الدنيا !؟ , إن كنت تريد أن تكون ممن يُنسى بمجرد دفنه فكل ما عليك هو الأكل والشرب والنوم دون أي جهد أو تعب , وأما إذا رغبت في تخليد سيرتك بعد وفاتك لتحيى عمراً غير عمرك الذي تعيشه الآن فقدم لنفسك واعمل واجتهد وثابر وواصل حتى تستحق الذكر الحسن بعد وفاتك.

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18

1436/6/4هـ