الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

صادِق اليأس !

#برقية_الثلاثاء

يحدث كثيراً أن يتحول الأصدقاء الى أعداء أو العكس, ولكن لي تجربة مختلفة مع تحول أحد الأعداء الى صديق, وقد عزمت على جعله صديقاً لأنه لطالما حطمني هذا العدو وكسر مجاديفي وجعلني أنسحب من مشاريع كثيرة, ووقف كحجر عثرة أمام الكثير من الأمور التي كنت أسعى أن قوم بها, ومع كثرة ظهوره في حياتي كان لا بد من وضع حد لهذا العدو الذي أصبح السبب الأول وراء فشلي في كثير من الأمور, لعل الجميع يريد معرفة هذا العدو اللدود, إنه اليأس يا سادة !

ولكن لا بد لنا أولاً أن نعرف كيف يتمكن اليأس من الانسان !؟

لا يتمكن اليأس فجأة من الانسان ولكنه يبدأ في الظهور بشكل متدرج, فالانسان يدخل معترك الحياة بكل نشاط  وحيوية وقوة مع رغبة قوية وعزم شديد على تحقيق أهدافه, ولكن عندما يفشل في مرحلة ما يبدأ اليأس في الظهور ولكنه لا يظهر بشكل كامل, حيث يتملك الانسان عند التعثر شيء من التشاؤم والقلق ومع مرور الوقت يسيطر عليه سلوك التوجس والتشاؤم, ولكنه سرعان ما يستعيد ثقته وقوته ويعود للمحاولة من جديد محاولاً استدراك ما فات, فإذا فشل مرة أخرى يعود اليأس بصورة أكبر مما سبق فيتكمن من الانسان أكثر وأكثر حتى يتمكن منه بشكل كامل, فإذا تمكن اليأس من الانسان يبدأ في الكسل والخمول والشعور بعدم الرغبة في العمل مع سيطرة التشاؤم عليه وتجده يكثر من التحجج بعدم الحاجة الى المحاولة وأنه الفشل مكتوب على جبينه.

إن الشيء الذي ينبغي أن ندركه اليأس يتغذى على اليأس, فكلما أظهرت اليأس قُوي اليأس وأصبح أكثر متانة وصلابة وأشد بأساً, ولكن إذا آمنت بالأمل وبقدرتك على النهوض بعد كل تعثر لن يجد اليأس الغذاء الذي ينتظره فيضعف وبالتالي تتمكن منه وتسطير عليه بكل سهولة, وتستطيع في هذه المرحلة أن تجعله صديقاً لك تستعين به في أوقات ضعفك وتجعله وقوداً لك في مسيرك نحو تحقيق أهدافك وأحلامك.


ختاماً: لا بد أن تتيقن أنك معرض للفشل والتعثر, ولكن هذا لا يعني أنك تسلم نفسك لليأس عند الفشل أو التعثر, بل يجب أن تجعل الأمل رفيقك والجد والاجتهاد رفيقك وزد على ذلك الايمان بالله سبحانه وتعالى بأنه لا يقدر الإ الخير وأن الفرج قادم لا محالة بعد كل كرب وتذكر قول الشاعر :
إذا اشتمــلت على اليأس القلـوب ...  وضاق لما به الصـدر الرحيبُ
وأوطــــأت المكــاره واطمــأنت ...  وأرست في أمكانها الخطـــوبُ
ولم تر لانكشـــاف الضـر وجهًا ...  ولا أغنــى بحيلتـــــه الأريـــبُ
أتاك على قنــوط منــك غـــوثٌ ...   يمـن به اللطيــف المستجيــــبُ
وكــــل الحادثـات إذا تنـــــاهت ...   فموصــول بها الفـرج القريـب

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/11/10هـ

الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

ما هو الألم !؟



اسمي (رامي أحمد) , عمري 23 سنة , لاجئي سوري أعيش في جدة , هكذا قدم نفسه لي في المرة الأولى التي قابلته فيها , رامي شاب مكافح قصف النظام السوري الغاشم - عجل الله بهلاكم - بيته في منتصف عام 2012 م فاستشهدت والدته والأخ الأصغر منه ذو 16 ربيعاً وأصيب والده في رجله وبات عاجزاً عن السير , خرج رامي من قريته متجهاً إلى المجهول بعد أن أصبح فجأة وبدون مقدمات مسؤولاً عن عائلة كاملة مكونة من أختين أكبرهن تبلغ 13 سنة وأخ لم يتجاوز عمره 3 سنوات وأب عاجز عن العمل , وصل إلى الأردن بعد مصاعب عديدة واجهت رامي وعائلته في الطريق وأقام في مخيم اللاجئين لعدة أشهر وكان العيش هناك صعباً حيث كانوا يقضون الليالي ذوات العدد وهم لا يجدون الإ قدراً يسيراً من الطعام , ثم أكرمهم الله سبحانه وتعالى بالوصول إلى المملكة العربية السعودية عن طريق احدى المنظمات الخيرية بعد مشقة وتعب , رغم كل الظروف التي مر بها رامي وعائلته لم يتخلى رامي عن حلم دراسة الهندسة وهو الحلم الذي يراوده منذ صغره وها هو اليوم طالباً في جامعة الملك عبدالعزيز في قسم الهندسة ويعمل في المساء لكي يستطيع إعالة أسرته.

لم يخبرني رامي قصته من باب الاخبار عن الأحداث ولكنه كان يحاول أن يعبر عن الألم الذي شعر به وهو يفقد والداته ثم أخيه وعجز والداه وفقد بيته والاضطرار للخروج من الوطن , كان رامي يحاول أن يعبر عن هذه الآلآم , ولكن هل يستطيع كل شخص تفّهم هذا الألم!؟
ستكون الاجابة : لا طبعاً , فهذه الآلآم لا يفهمها الإ النماذج الأخرى المماثلة من السوريين الذين تعرضوا للظلم والابادة كما حصل مع رامي , هذه الآلآم يشعر بها الروهنجي الذي تعرض للظلم داخل أراكان ثم خرج منها باحثاً عن الأمان فظل تائهاً وسط المحيط فوق مركب متهالك لعدة أيام من دون أن يجد ماءاً يشربه , هذه الآلآم يشعر بها اليتيم الذي فقده أحد والديه وحُرم من العطف والحنان.


ختاماً : صديقي القارئ أجزم يقيناً أن لديك قصص مماثلة بل تكاد تكون أكثر سوءاً من قصة رامي , وعندما تريد أن ترويها إنما تريد أن تُشعر الآخرين مقدار الألم الذي عاش فيه ذلك الشخص , ولكن يؤسفني أن أقول : أن الألم شعور لا يُوصف وإنما هي تجربة شخصية وغير قابلة للتعدي , شعور لا نستطيع ادراكه مهما سمعنا من قصص , وإنما ندرك هذا الشعور بالتجربة لا بالسماع.

لذا عندما تُسأل في المرة القادمة عن الألم!؟
أجبه : إنه الألم وكفى!


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@


1436/11/3 هـ

الثلاثاء، 11 أغسطس 2015

كيف تقود السيارة في جدة!؟

#‏برقية_الثلاثاء‬ 

سألني صديقي ذات مرة قائلاً : ما الذي يجعلك تكره قيادة السيارة!؟
تنفست بعمق ثم قلت له : تُرى وما الذي يجعلني أحب قيادة السيارة لدينا!؟
فالشوارع لدينا مزدحمة في كل الأوقات وآذاننا لا تكاد تفارق ذلك الصوت الشجي (صوت البوري) , والحفريات منتشرة في كل مكان حتى أن كل طريق قد أخذ نصيبه من الحفريات , وأصبحت سيارتنا ترقص (السامري) أثناء سيرها في الطريق , فإذا استطعت تجاوز إحدى الحفريات اصطدمت بأحد أغطية الصرف الصحي المكشوفة (هل يوجد لدينا صرف صحي بالفعل!؟) , وبعد خروجك من هذه الغطاء ترى أمامك لوحة صفراء كتب عليها (أمامك تحويلة) و (بداية أعمال الطريق) فلا تكاد تخرج من هذه التحويلة الإ بصعوبة بالغة فيستقبلك تل عالي يسمونه (مطب صناعي) وأنت تعبر هذا التل المسمى زوراً بمطب تشعر أنك في أحد مسابقة الراليات الجبلية التي تحتاج إلى سيارات بمقومات خاصة , وبعد تجاوزك كل هذه الإختبارات الصعبة بشق الأنفس تقع فريسة لحفرية كبيرة ومكشوفة في وسط الشارع دون أي علامات تحذيرية وتتعطل سيارتك ثم تتصل برجل الأمن لكي يأتي لمساعدتك فيصل بعد ساعة في أحسن الأحوال , وبدلاً من مساعدتك يطلق العبارات الشهيرة (أنت ما تشوف!؟ , من اللي علمك السواقة!؟) فتصبح أنت المخطئ والمقاول الذي ترك هذه الحفرية من دون أي حاجز ولا لوحة تحذيرية لم يخطئ ولا عليه شيء وكأن عمله سليماً , لينتهي بك الحال بإدخال سيارتك الى إحدى الورش الصناعية , وبينما أنت تقف في جانب الطريق لتستقل سيارة أجرة لتعود بها إلى بيتك تمر بجانبك سيارة مسرعة فيبلل ملابسك بمياه الصرف الصحي الذي تسرب من مكان ما.


ختاماً : يا صديقي هل عرفت لماذا قلت لك : ترى ما الذي يجعلني أحب قيادة السيارة لدينا!؟
*ملاحظة : المقالة قديمة ونُشرت قبل 4 سنوات تقريباً ولكني أعدت صياغتها لأن حالة شوارعنا أصبحت أسوأ من تلك الأيام.

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@


1436/10/26هـ

الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

هادم البيئة !


خلق الله سبحانه وتعالى الكائنات وجعل لكل كائن ميزة يتميز بها عن غيره , ففي عالم الحيوان يشتهر الأسد بالشجاعة والثعلب بالمكر والخداع واليمامة بقوة النظر وهكذا ,, ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن جمع للإنسان كل المميزات التي فرقها الله سبحانه وتعالى بين الكائنات , فهو الشجاع المقدام إن أراد , وهو المخادع الماكر أيضاً إن قبلت نفسه بهذا , ولأن الانسان يعرف ويعقل وعُرف عنه الجشع والطمع إضافة الى الكرم والعطاء استغل موارد البيئة التي أوجدها الله سبحانه وتعالى للكائنات جميعاً استغلالاً سيئاً بحيث لا يراعي احتياجات المخلوقات الأخرى الموجودة في الأرض , فيبيد الغابات والمساحات الخضراء من أجل أن يصنع كرسياً يجلس عليه أو يتدفئ , ليتسبب بعمله في انقراض العديد من الكائنات التي عاشت منذ الآف السنين في هذه الغابة , ويستنزف مياه البحار والمحيطات من أجل أن يغسل سيارته ولا يكتفي بهذا فقط بل يزيد على ذلك فيقضي حاجته في تلك المياه مسبباً التلوث في البحار والمحيطات فيكون ناتج هذه التلوث القضاء على المخلوقات التي تعيش في البحار والمحيطات , و يستمر الانسان في جشعه وطمعه فيسافر إلى الدول الإفريقية ويقضي الساعات الطويلة في مطاردة الحيوانات من أجل أن يظفر بجلده ليصنع منها ساعة يلبسها أو سواراً يتزين بها , ثم إذا تسبب في انقراض فصيلة من الحيوانات يسرع لإنشاء جمعية للحفاظ على الحيوانات التي قضى عليها بنفسه ليُرضي ضميره.

إن الانسان منذ القدم يعمل على استنزاف الموارد الطبيعية واستغلالها أسوأ استغلال , ومن شدة طمعه لا يراعي حاجة الأجيال القادمة من بني جلدته فضلاً عن الكائنات الأخرى التي تعيش معه , ويرى أن له الحق في التصرف في هذا الكوكب دون أدنى مسؤولية ومن دون احترام حقوق الأجيال القادمة أو الكائنات الأخرى.

ختاماً : سيندم الانسان يوماً ما على هذه التصرفات الهمجية تجاه الكائنات الأخرى , وسيندم أكثر على اسنتزاف الموارد التي أوجدها الله سبحانه وتعالى للجميع ولكنه تفرد بها دون غيره وحرم منها الأجيال القادمة ليستمتع بها وحده , وقد لا يكون على الأرض يوم الندم ولكنه سيكون مسؤولاً عن حرمان الأجيال القادمة والكائنات الأخرى من الموارد التي وضعها الله عز وجل لهم ولكنه تفرد بها جشعاً وطمعاً.

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/10/19هـ

الثلاثاء، 28 يوليو 2015

العنصر الفاسد !



أذكر أنني عندما نويت دراسة تخصص الاعلام برز عدد كبير من الزملاء وطالبوني بالإبتعاد عن هذا المجال , وعللوا بأن شره أكثر من خيره وأن دفع المضرة أولى من جلب المصلحة وسلسلة من النصائح الطويلة التي لا تنتهي , وعادة هذه النصائح لا تنطلق من دراسة علمية أو تجربة سابقة وإنما هي شعارات يرددها الجميع دون تجربتها أو على الأقل القراءة عنها , وبعد أن ينتهي من سلسلة النصائح الطويلة يدخل إلى أن خريج كليات الاعلام لا يجد الوظائف وأن سوق العمل متكدس بطلاب الاعلام حتى تشعر وكأنه وزير العمل , وإذا سألته عن مصدر المعلومة يقول لك بأنه يعرف فلان وعلان وزعطان وقائمة طويلة من الأسماء لا أدري من أين يأتي بها , والطريف أنه يملك قوائم مماثلة لأي تخصص.

وأنا هنا أريد أن أشير إلى نقطتين :
النقطة الأولى : أن الكثير ممن نصحني بعدم التخصص في مجال الاعلام أصبح اليوم يلهث وراء الكاميرات ويبحث عن تلميع وجهه في كل شاشة ويكد ويتعب من أجل أن يراه الناس في الشاشة مع سعي دائم وراء المناصب الاعلامية الوهمية التي لا قيمة لها , وبالأمس كان يعظني عن خطر الظهور الاعلامي وفساده وما يترتب عليه من سلبيات , هل يدرك الآن هو وأمثاله أنه العنصر الفاسد في المنظومة الاعلامية ولكي نطهر الاعلام من الفاسد لا بد من التخلص منه.
النقطة الثانية : يتحجج هؤلاء الناصحين بأن جلب المصحلة هو الذي دفعهم للدخول إلى الساحة الاعلامية , ألم يكن دافعهم وقت النصيحة دفع المضرة أولى من جلب المصلحة , لماذا لا يدفع المضرة ويجلس في بيته وخاصة بأن الناس ليسوا بحاجة لمنفعته , لأنه كما قلت سابقاً العنصر الفاسد في المنظومة الاعلامية ولا يرجى منه خير , فالأولى ابعاده حتى لا ينشر فساده في البيئة الاعلامية.

ختاماً : قبل أن تنصح الآخرين فكر جيداً في النصيحة التي تريد أن تقدمها , ولتكن نصيحتك مبنية على أسس علمية بعيداً عن قال فلان وذكر علان لكي لا تقع في شر كلامك , ولا تنسى :
              لا تنهى عن خلق وتأت مثله .. عار عليك إذا فعلت عظيم

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@



1436/10/12 هـ

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

العيد الأسير


كل عام وأنت بخير .. وتقبل الله منا ومنك صالح الأعمال .. عيدك سعيد ومبارك
هذه الكلمات المألوفة التي أسمعها في كل عيد حتى أصبحت لا أشعر بلذتها وبمعانيها ومدلولاتها , أصبحت أرددها من دون أن أستشعر قيمة ما أقوله وكل ما أعرفه أنه يجب علي ترديد هذه الكلمات لأسير مع السرب في العيد , ولم أعد أستطيع استحضار مشاعر الفرح والسرور التي كانت تأتي دون تكلف قبل عشر سنوات , يومها كنت أسعد بمجرد سماع خبر اعلان دخول العيد دون أن أتعنت في استحضار تلك المشاعر كما يحدث معي في الوقت الحالي , وأجزم أني أردت أن أكتب عن العيد بأنه يوم حزن وليس يوم فرح , ولكن ما يمنعني أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالفرح في هذا اليوم اظهاراً لرحمة الله سبحانه وتعالى وجزيل عطائه على عباده , وأيضاً تعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى يتحتم علي اظهار مشاعر الفرح , فهذا هو السبب الذي يجعلني أشعر بقليل من النشوة في العيد.

لم تختفي مظاهر السعادة والفرح في العيد الإ بعد أن ربط الناس فرحة العيد بالماديات , فأصبح الزيارات واللقاءات كلها مرتبط بالماديات في غياب شبه تام للمشاعر الروحية التي ينبغي أن تتجلى في العيد , فأصبحت ترى انقطاع الزيارات بين الأقارب بحجة أن مجرد الاتصال للتهنئة كافية , وأصبحت ترى الأطفال لا يفرحون الإ إذا وجدوا شيئاً مادياً , وهذا مؤشر خطير على انتهاء جزء كبير من براءة الصغار , وبالمناسبة من الأشياء التي كانت تسعدني في العيد عندما كنت صغيراً ولا زالت تسعدني وترفع كثيراً من معنوياتي الزيارات العائلية التي بدأت تندثر , وقتها كانت الفرحة بالماديات بسيطة ولم نربط سعادتنا بالماديات كما يحدث الآن وللأسف.

ختاماً : لكي نسعد بالعيد نحتاج إلى فك ارتباط العيد بالماديات وأن نجعل العيد موسم للتزوار والتراحم والتواصل , لنعلم الأجيال القادمة أن فرحة العيد ليست في المادة وإنما في التواصل والتقارب , لنعلمهم تعظيم الله شعائر الله سبحانه وتعالى مهما كانت الأحوال , ولكي يتحقق ذلك لا بد أن نطلق العيد من أسر الماديات لينطلق بعدها في نشر مشاعر الفرح والسرور في نفوسنا ثم في نفوس أولئك الصغار الذين تعلموا بأن فرحة العيد مرتبطة بالمادة !


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@


1436/10/6 هـ

الثلاثاء، 14 يوليو 2015

رمضانك الآخر ..!


بعد يومين أو ثلاثة أيام سنودع شهر رمضان الفضيل الذي نزل علينا ضيفاً جميلاً ليجدد الروح ويقوي أواصر العلاقة بيننا وبين ربنا المعبود , سيرحل ليحقق وعد الله الذي قال عنه في كتابه الكريم (أياماً معدودات) , سيودعنا رمضان وقد ترك فينا أثراً جميلاً عن جمال حياة القرب من الله وما فيها من الفلاح والسعادة والطمأنينة , يرحل رمضان وقد ربطنا بالله سبحانه وتعالى لنبقى طوال العام متصلين به كما كنا في رمضان , يرحل عنا رمضان وقد ترك في نفوسنا محبة الخير للآخرين وادخال السرور على قلوب المساكين بالصدقة أو المساعدة , وكأن رمضان يقول : أنا رمضان الشهر التاسع من كل عام قد مضيت فاعمل لرمضانك الآخر.

رمضانك الآخر هو ما تركه فيك رمضان من أثر جميل وخلق محمود , فنرى المقصر في الصلاة بقية العام قد واظب عليها في رمضان , فرمضانه الآخر هو أن يستمر على نفس المنوال في بقية الشهور , لنرى منه العزم والحرص على الصلاة كما كان في رمضان.
وأما الذي اقترف المعاصي والسيئات طوال العام وانتهك حرمات الله , نراه قد توقف عنها في رمضان وأقبل إلى الله تائباً عابداً مستسلماً راغباً ما عنده من الأجر العظيم والثواب الجزيل , تراه مقبلاً على الطاعات مبتعداً عن المحرمات بقدر ما يستطيع , فيرحل عنه رمضان وتُطلق الشياطين فيوسوس له بالعودة , فتأتيه رسالة من رمضانه الآخر ليذكره بجميل صنيعه في رمضان وأن أول علامات قبول تلك الأعمال المدوامة عليها , فرمضانه الآخر أن يستمر على الخط الذي سار عليه في رمضان والأ يحيد عنه مهما كانت المغريات.
ختاماً : ما ذكرته من نماذج هي أمثلة بسيطة للإستدلال فقط , والا فلكل شخص منا رمضانه الآخر الذي هو أدرى بنفسه , ويدرك جيداً أن عليه أن يجاهد في رمضانه الآخر كما اجتهد في رمضان الشهر التاسع , والإ فما فائدة رمضان وقد رحل عنك دون أن يزرع فيك نبتة حسنة , أو يغير مسار عملك من الأسوأ إلى الأفضل ومن الحسن للأحسن , فلتري الله من نفسك خيراً في رمضانك الآخر !


لا تنظر إلى السطر التالي الإ في صباح العيد :
{ كل عام وأنت بخير , وتقبل الله منا ومنك صالح الأعمال , وعيدك سعيد ومبارك }
محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@
1436/9/27 هـ