الثلاثاء، 26 مايو 2015

حرب الأفكار (2)


بعد تجربة طويلة في متابعة الحورات والمناقشات بين الفئات المختلفة في الأفكار والآراء , تيقنت أن الفئات التي تؤمن بفكرة معينة مكتسبة كانت أو متوارثة تبيح لنفسها مهاجمة أي فئة أخرى تخالف فكرتها ونقدها والنيل منها والتقليل من شأنها ومحاولة اقصائها أيضاً , ولكن إذا فكرت فئة أخرى في نقد أفكارها , تُتهم تلك الفئة بأنها تبغي على الحق وأنها تريد الضلال للمجتمع وأنها وأنها ,,, وقائمة طويلة من التُهم التي لا تنتهي , وهم بذلك يرون أن لهم حرية نقد من يخالفهم ولكنهم خط مقدس لا يستطيع أحد نقدهم أو الاقتراب حتى ولو كانت أفكارهم خاطئة وغير عقلانية.


إن الوصول إلى الاعتقاد بقدسية الأفكار التي تحملها فئة معينة لهي مرحلة خطيرة وتنبيء عن كارثة في التعايش مع الآخر , فكل فئة تعتقد بقدسية أفكارها حتماً ستحاول فرض أفكارها على الآخرين ولو كانت بالقوة والتطرف , وستدافع عن أفكارها ولو أدى ذلك إلى إراقة الدماء والتعدي على الآخرين , فالإنسان لا يسمح بالتعرض للأشياء المقدسة لديه ويدافع عنه بكل ما أوتي من قوة وبشتى الوسائل حتى لو كانت خاطئة.
إن مفهوم التعايش قائم على قبول الطرف الآخر المختلف مهما كانت أفكاره مختلفة , وأيضاً قائم على احترام أفكاره وعدم التعرض له لمجرد المخالفة أو عدم التوافق في فكرة ما , وإنما يحصل التعايش بتعاضد الفئات المختلفة في التوجهات والآراء تحت ظل واحد من أجل وحدة الأرض , مثل لوحة جميلة مزجت فيها ألوان مختلفة , لكل لون نسبة معينة لا تزيد ولا تنقص , فإن زادت أو نقصت خرجت اللوحة باهتة وفقدت جمالها ورونقها , وكذلك التعايش إذا أرادت فئة معينة فرض أفكارها على فئة أخرى سيفقد التعايش رونقه وجماله , لأن نسبة معينة من اللون سيصبح طاغياً على بقية الألوان.


أخيراً : إن بناء الانسان والأوطان تحتاج إلى مزيج من الأفكار المختلفة حتى يخرج انساناً ذو معرفة واسعة ومدركاً للثقافات المختلفة , ولن يتحقق هذا الإ بالتعايش مع الأفكار المختلفة , والإ سيصبح البشر عبارة نسخ متشابهة لا يختلف أحدهم عن الآخر الإ في شكله , ونحن لا نريد هذا , إنما نريد لوحة جميلة متشكلة من أفكار مختلفة لنرى جمال ورونق الصورة.


محمود مختار - جدة
mahmmoodovic18@

1436/8/8 هـ

الثلاثاء، 19 مايو 2015

حرب الأفكار (1)

#برقية_الثلاثاء



يولد الانسان على الفطرة السليمة الصحيحة البعيدة عن الشوائب والشبهات ولا يستطيع أحد التأثير عليه بشكل أو آخر في مرحلة الطفولة المبكرة من ناحية الأفكار لأنه يعيش في مرحلة لا يستطيع الآخرين التأثير عليه من الناحية العقلية , روى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) ومع تقدمه في العمر والاختلاط مع أشخاص آخرين والاندماج في المجتمع يتعرف على أشكال جديدة من الأفكار من البيئة المحيطة به ثم يتبناها كمنهاج حياة دون أن يبحث عن صحة هذه الأفكار.


ومع التقدم في العمر والانتقال إلى بيئة أكبر من بيئته التى تربى فيها يتعرف على أفكار أخرى غير التي يعرفها ويؤمن بها والتي اكتسبها من مجتمعه الضيق , فيدخل في حالة صراع مع هذه الأفكار الجديدة التي قد تكون أكثر صحة من أفكاره , ومع ذلك لا يجد في نفسه قبولاً لهذه الأفكار لأنها لا تتوافق مع أفكاره , فالإنسان يبحث عن ما يشبهه ويتوافق معه فينكر الأفكار الجديدة , وبالتالي يصل إلى مرحلة اتهام ومهاجمة أصحاب الأفكار المختلفة عنه بالجهل وعدم المعرفة والتخلف دون أن يتأكد من ماهية أفكارهم ولماذا هم يؤمنون بهذه الأفكار أو البحث عن صحة الأفكار التي يحملها ويدافع عنها بشراسة في كل المناسبات , ويضع نفسه دائماً وأبداً في خانة المكان الصحيح البريء من كل خطأ ويصنف الآخرين المختلفين عنه أنهم على خطأ , ولكي يعودوا إلى الصواب عليهم التقدم إلى خانته وتنبني أفكاره التي لا يعرف عن مدى صحتها أصلاً والتخلي عن أفكارهم السقيمة كما يعتقد , وإن لم يفعلوا ذلك صنفهم على أنه أعداء ويرفض التعامل معهم لأنه مختلفون عنه.

ختاماً : لكل فئة من البشر أفكار معينة قد لا تشبه أفكار الفئات الأخرى من المجتمع , ولكن هذا لا يعني أن أحدهم على صواب والآخر على خطأ وإنما هي اختلاف في وجهات النظر وطريقة زرع الأفكار بالطريقة التي تخدم الفئة نفسها , فكل مجموعة نظرت من الجانب الذي يرى أنه صحيحأً فإن حصل توافق في أفكار معينة بين فئتين فهذا حسن وإن حصل اختلاف فهذا لا يعني أنه يجب عِداء أصحاب الفكر المختلف لأنه لا يشبهنا , وإنما ينبغي النظر في ما لدينا من أفكار فربما كانت أفكارهم أصح من أفكارنا.


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/8/1هـ

الثلاثاء، 12 مايو 2015

حياة الطوارئ!


يحدث كثيراً أن تجتمع الاعمال على الشخص حتى لا يجد الوقت الكافي لينتهي منها , فيضطر إلى أن يعمل في وقت راحته حتى ينجز عمله وينتهي منها في الوقت المحدد , وغالباً ما تكون جودة هذه الاعمال قليلة , وفي الناحية المقابلة يمر في بعض الأوقات بفراغ موحش لا يجد عملاً لكي يقوم به , فتمر عليه الساعات الطويلة دون أن يعمل شيئاً , فالحالة الأولى مهلكة بكثرة العمل , والحالة الثانية مملة بسبب الفراغ الطويل.

وإذا أردنا أن نشرح سبب حدوث الحالتين السابقة لا بد أن نرجع إلى المنظومة التي أشار إليها د. ستيف كوفي في كتابه الشهير (العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية) وهي منظومة من أربع خانات , ولكي نوّصل الفكرة بشكل أفضل ينبغي أن نبدأ من الخانة الرابعة وهي (يقضي الناس أوقاتهم في أنشطة غير مهمة وغير عاجلة) ويعني هذا أن الانسان يقضي وقته في نشاط لا يعود بالنفع عليه غالباً , وسلبية هذه الخانة قضاء وقت طويل له ضرر كبير على الشخص وهي الحالة الثانية التي ذكرتها مسبقاً , وننتقل إلى الخانة الثالثة وهي (نشاط عاجل وغير مهم) ويعني هذا أن النشاط غير مهم بالنسبة للشخص لكنه عاجل لغيره , وللخروج من هذه الخانة وعدم تضييع مزيداً من الوقت فيها يجب اتقان فن الاعتذار تجنباً للحرج.

وإذا استطاع الانسان أن يغلق الخانة الرابعة أو يضيقها ثم يخرج بلباقة من الخانة الثالثة سيجد نفسه في الخانة الثانية وهي خانة الجودة (نشاط مهم وغير عاجل) وفي هذه الخانة يستطيع القيام بدوره من دون ضغوط أو اقتصاص لأوقات الراحة , وإذا استطاع الانسان توسيع هذه الخانة يستطيع حتماً القضاء على الخانة الأولى وهي خانة الطورائ (نشاط مهم وعاجل) وهي الحالة التي ذكرتها في بداية المقالة , بحيث يعيش الانسان حالة عالية من الضغط يشعر فيها بأن حياته تحولت إلى حالة طوارئ لكثرة المشاغل التي انهالت عليه , وأيضاً لأهميتها بحيث لا يستطيع التغاضي عنها.


ختاماً : إذا تعود الانسان تأدية أعماله ونشاطاته المهمة بشكل غير عاجل سيرتفع مبدأ الجودة في حياته ويتخلص من الضغوط , ويتخلص من حالة الطوارئ التي يعاني منها أغلب البشر ثم يفشلون في إدارتها.

محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@
1436/7/23هـ

الثلاثاء، 5 مايو 2015

أيها الروهنجي .. حتماً ستموت!


بعد أربع سنوات على انطلاقة الثورة السورية ضد بشار الأسد تشير التقارير إلى أن عدد القتلى تجاوزت 200 ألف شخص وأن أعداد المصابين بلغت نحو نصف مليون جريح , والملايين من اللاجئين وأعداد لا تنتهي من المنكوبين والمشردين , هذه الحالة من الضياع والتشريد وحجم المأساة الكبيرة حصلت خلال أربع سنوات فقط , تحولت فيها سوريا من دولة جميلة كانت مضرب المثل بجمالها وسحرها إلى قرية متهالكة لا ترى فيها الإ الدمار والتخريب.

هذا ما حدث في الغرب الأسيوي , لننتقل إلى الشرق الأسيوي ونسلط الضوء قليلاً على المشهد الأركاني وعرقية الروهنجية التي تُمارس ضدها التطهير العرقي منذ أكثر 200 سنة , ترى كيف سيكون حال شعب يتعرض للظلم والإبادة منذ قرنين من الزمن , وأنت ترى أن سوريا تحولت خلال أربع سنوات إلى مقبرة , وتشرد سكانها في الدول المجاورة , وأصبحت مخيمات اللاجئين السوريين في كل مكان , تخيل كيف سيكون حال من يتعرض لنفس الإبادة منذ 70 سنة , كم سيبلغ أعداد اللاجئين , كم سيبلغ أعداد القتلى والتقارير تؤكد بأن ضحية مذبحة عام 1942 م  وحدها بلغت أكثر من 100 ألف مسلم أغلبهم من الشيوخ والنساء , ولا ننسى بأن الثوار في سوريا يحملون أسلحة ويدفعون عن أرضهم , لكن مسلمي الروهنجيا شعب أعزل لا يملك السلاح حتى يدافع عن نفسه.
وإذا سألت عن مصير الروهنجي هناك , فمصيره إما الموت على أيدي الحكومة البوذية تحت وطأة التعذيب , فإن استطاع الهروب غرق في البحر ولقي حتفه هناك أثناء هجرته , فإن سلم من ذلك أصبح عبداً في أيدي تجار البشر في الدول المجاورة يتلقى ألوان من التنكيل والتعذيب , فإن نجى من جميع الحالات السابقة بات جائعاً مشرداً في احدى مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة , لا يجد لقمة تسد جوعه أو مكاناً آمنا يؤيه , فهو ينتقل من مكان إلى مكان بحثاً عن الأمان والاستقرار ثم لا يجد الإ مزيداً من الصعوبات والتحديات.
ختاماً : أيها الروهنجي المظلوم في أقصى الشرق , كأني أشعر بأن العالم بحكامها ومسؤوليها وسكانها يقولون لكم : ستموتون حتماً , فلا تزعجونا بمشاكلكم!


محمود مختار - جدة
mahmoodovic18@

1436/7/16هـ